قصص الأنبياء

إجتهاد نوح عليه السلام في دعوة قومه إلي الله سبحانه وتعالى

بذل نوح عليه السلام في دعوة قومه إلي الله كل ما يستطيع من قوة وطاقة ، واجتهد غاية إمكانه أن يؤمن قومه ، وأن يقلعوا عن عبادة الأصنام والاوثان، وطال الزمن والمجادلة بينه وبينهم كما يقول بن كثير ، ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم ، علي الرغم من أنه كان يغاديهم بالنصح ، ويراوحهم بالموعظة، سرًا وعلانية ، ويضرب لهم الأمثال حين يستلزم الأمر ذلك ، لم يدع فرصة تمر إلا وشرح فيها رسالة اللة مبشرًا ونذيرًا، مرغما في ثواب الله وجنته ، ومخوفًا من عقابه ونقمته وعذابه .

لقد أخذ نوح عليه السلام يشرح لهم قدرة الله وشمول علمه ، وبديع صنعه، فقد خلقهم أطوارًا مختلفة ، واعتني بهم في أدوار حياتهم بعامة، لقد خلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ، لقد كنتم ترابا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم كنتم أجنة ، وكنتم في جميع هذه الأطوار في رعاية الله محفوظين بحفظه ، محاطين بعنايته، وبعد ذلك كنتم اطفالا فشبابا وهكذا ، وستعودون إليه من جديد في أية لحظة شاء ، فارجعوا إليه بالتوبة ولإنابة، والطاعة والعبادة قبل أن تواجهوه وهو عنكم غير راض .

ثم انظروا إلي الأرض التي تقيمون عليها ، وكيف أن الله بسطها لكم ، وجعل لكم فيها مسالك وسبلا للإقامة والإنتفاع ، وإلي السماء كيف رفعها وزينها بالنجوم ، وأنه يرسل المطر عليكم مدرارًا ، ويمددكم بالاموال والأبناء ، ويجعل لكم الجنات في الأرض، وأنه سبحانه جعل لكم القمر نورًا والشمس سراجًا .

ومع كل هذه الامثال التي ضربها نوح عليه السلام لقومه لم تجد عندهم آذانًا صاغية ، ولا عقولًا واعية، ولا قلوبًا فاهمة ، فكانوا يؤذونه فعصوه واستمروا في كبرهم وعنادهم ، وكانوا يضعون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا صوت الحق الذي ينطق به نوح عليه السلام.

ليس ذلك فقط بل كانوا يوصون الاجيال التالية لهم بعدم الإيمان بدعوة نوح عليه السلام أو الاستجابة له ، والاستمرار في محاربته ومخالفته، لقد كانت سجاياهم تأبي الإيمان ، ونفوسهم لا تقبل الحق ، وما ذلك إلا عنادا واستكبارا ونكرانا للخير والحق والهداية .

ولنقرأ هذه الآيات التي تتحدث عن هذه النصائح في سورة نوح والتي توضح لنا حقيقة هذا الوضع قال تعالي :-

((إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ۖ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) )) .

فهذه الآيات الواضحة تدل صراحة علي مهمة نوح عليه السلام، وأنه منذر للناس من بأس الله قبل حلوله بهم وإن تابوا وأنابوا رفع عنهم ، فقام نوح عليه السلام بدعوة قومه لعبادة الله وتوحيده وترك محارمه واجتباب الآثام، ليغفر لكم ذنوبكم ، ويمد في اعماركم ، ويدرأ عنكم العذاب ، الذي إن لم تجتنبوا ما نهاكم عنه أوقعه بكم ، ولكنهم لم يسمعوا له ، وتمادوا في غيهم وطال مكثه بينهم – الف سنة إلا خمسين عاما- فعموا وصموا .

ومع ذلك لم يترك دعائهم ليلًا ولا نهارًا ، فلم يزدهم إلا فرارًا من الحق ، وإبتعادًا عن جادة الصواب، (١) واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا، ورغم ذلك فقد لفت نظرهم إلي قدرتك وعظمتك وعطائك، فلم يغيروا فكرهم ، ولم يرجعوا إلي رشدهم ، ولم يتركوا أصنامهم وجدالهم في الباطل ، وقد أغراهم الثراء الفاحش وعدد الأبناء عن طاعتك، وقد أضلوا كثيرا ، فلا تذدهم إلا ضلالًا ونكالًا وإبتعادًا عن الحق .

sozana

كاتب لدى موقع المسافر نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

عفوا قم بتعطيل مانع الاعلانات لتتمكن من استخدام الموقع